السبت، 8 أغسطس 2026

انت الربان

 بسم الله الرحمن الرحيم

​اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.

​أهلاً بك يا صديقي العزيز، ومرحباً بك في مساحتك الخاصة التي تجمعنا دائماً على أثير الكلمة الطيبة والروح النقية. أتمنى من الله أن يجدك كلامي هذا وأنت تنعم بتمام الصحة، وراحة البال، والسكينة التي تغمر قلبك. في زحمة هذه الحياة وتفاصيلها اليومية المتسارعة، وبينما نحن نمضي في طرقاتنا، قد تتقاطع طرقنا أحياناً مع ضيوف ثقيلة، أو نحتضن هواجس لا تعود علينا إلا بالإنهاك؛ فنسمع هنا وهناك من يشتكي من الهم والغم كأنهما قدر محتوم لا راد له. لكن دعني أسألك بصدق من القلب للقلب: لماذا نترك بابنا مفتوحاً لهم؟ ولماذا نسمح لهذه الغيوم العابرة أن تظلل سماء أيامنا وتوقف نبض الحياة في أوردتنا؟ بل ولماذا لا نملك الشجاعة الكافية لطردهم بلا تردد؟

​ربما يتبادر إلى ذهنك الآن وتحدث نفسك قائلاً: "أنا لا أستطيع، الأمر أكبر مني". دعني أقولها لك بكل ثقة ويقين: لا يا غالي، أنت تقدر وبكل جدارة؛ لأنك من الداخل قوي، ومن يخبرك غير ذلك فهو مخطئ تماماً، فمن يكون هو أساساً حتى يحكم على قدراتك أو يضع حدوداً لطاقتك النفسية؟! الإنسان بطبعه جبار إذا أصر، وعظيم إذا استوعب حجم القوة الكامنة في صدره.

​ولكي تتضح الصورة في عذوبتها وعمقها، تخيل معي هذا المثال البسيط: لو أنك يوماً ما مرضت -لا سمح الله- وزرت الطبيب فوصف لك الدواء المناسب لحالتك، ثم عدت إليه بعد فترة وأنت تقطّب حاجبيك قلقاً وتقول له: "يا دكتور، أنا ما زلت أتألم وأشعر بالتعب رغم أني التزمت بالدواء حرفياً"، فسيبتسم لك الطبيب ويقول بهدوء: "هذا طبيعي جداً يا صديقي، لأن الفيروس الذي هاجم جسدك يحتاج إلى وقته المعتاد لكي يأخذ دورته ويزول، وسيتعافى جسمك تدريجياً لتعود أقوى مما كنت".

​هنا يأتي السؤال الجوهري الذي أود أن تطرحه على نفسك الآن: هل عندما يمرض الإنسان ويشعر بالتعب، يستسلم ويجلس في مكانه مكتوف الأيدي مستظلاً باليأس؟ هل إذا استسلمت وجلست تندب حظك سيتوقف الوقت عن المضي قدماً؟ هل ستتوقف الدنيا بأسرها عن الدوران احتراماً لحزنك أو توقفك؟ الجواب المؤكد والواضح: لا، أبداً! لن تتوقف الحياة، ولن ينتظرك الكون؛ فالوقت يمضي، والشمس تشرق وتغرب، والفرص تمر، فلماذا تبقيك الهموم محجوزاً في زاوية الندم؟

​قم وتدارك أمرك، افعل شيئاً عادياً ومحبباً لقلبك، استمتع بتفاصيلك البسيطة، كل طبقاً تحبه، اخرج وتمشى وتنفس الهواء النقي، خالط الطبيعة وامنح روحك حقها في البهجة. هذا هو المقصود بالضبط: لا تقف متفرجاً ولا تجعل شيئاً يعيق خطاك أو يطفئ شغفك، بل كن تماماً مثل ربان سفينة ماهر تهب عليه العاصفة الشديدة وتتطاير الأمواج من حوله بقسوة؛ فإن اختار الربان الوقوف في مكانه مستلماً لليأس، فستكون النتيجة فاجعة وتحطيم السفينة بالكامل. أما إذا قهر الأمواج بحنكته وعزيمته، ووجه دفته بثبات، فسيخرج منها بطلاً شجاعاً يروي قصة نجاحه ونجاة سفينته.










​وأنت كذلك يا غالي، تمتلك بداخلك تلك الروح الربانية القادرة على مجابهة أقوى عواصف الحياة وأسوأ الظروف. أطرد كل طاقة سلبية، وكل فكرة محبطة تحاول التسلل إلى داخلك، لأنك قوي ومتحكم حقيقي في مسار حياتك، وقادر على إعادة ترتيب الأوراق متى شئت. ولا تسمح لأي كائن كان أن يتحكم في وجهتك أو يملي عليك كيف تعيش؛ فمن يكون هو حتى يصادر سعادتك أو يقرر نيابة عنك؟! حياتك ملكك، وقرار صفائك بيد وحدك.

​وفي الختام، أرجو أن تصل هذه الرسالة بعمق إلى شغاف قلبك وواعي عقلك؛ تذكر دائماً أن عتمة الليل مهما طوتنا، فإن خيوط الفجر الأولي كفيلة بتبديدها شريطة أن تؤمن بنور داخلك. دمتم في حفظ الله ورعايته، سالمين آمنين من كل همأنت ربان سفينتك: رسالة من القلب لكل من أثقلته عواصف الحياة وضيق.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جبر الخواطر

 بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ​السعي المأجور والكلمة الشافية: كيف نكون سكنًا لقلوب الم...