الجمعة، 21 أغسطس 2026

فن التغافل

بسم الله الرحمن الرحيم

 والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

 فأهلاً وسهلاً بكم، وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً. مرحباً بكم في هذا الفضاء، في مساحتكم الخاصة التي نخصصها لتدبر أمورنا، والبحث عن سبل الرقي بأنفسنا وأرواحنا في خضم تجاذبات الحياة اليومية وصخبها الذي لا يهدأ.






​أيها الأحبة، هل تأملتم يوماً في حالنا؟ في هذا الركض اللانهائي الذي نعيشه من المطلع إلى المغيب؟ إننا نقضي أيامنا في دوامة من الالتزامات والمسؤوليات، محاطين بطوفان من المعلومات والأخبار، ومقيدين بشاشات هواتفنا التي لا تنفك تضخ إلينا صوراً وحكايات عن الآخرين. وفي زحمة هذه الحياة، وفي هذا السباق المحموم نحو الماديات والمظاهر، ننسى أهم كنز، وأعظم نعمة، وأثمن غنيمة يمكن أن يحوزها المرء في رحلته الدنيوية: إنها راحة البال، وصفاء الذهن، وسلامة الصدر. هذا هو الملاذ الآمن، والوطن الحقيقي الذي يستحق أن نهاجر إليه بعقولنا وقلوبنا.

​التغافل.. خلق الأكابر وباب الراحة











​دعونا نتفق على أن هذه السكينة المنشودة لا تأتي بضربة حظ، ولا تُوهب لمن يجلس مكتوف الأيدي، بل هي ثمرة جهاد نفس مستمر، وصناعة دقيقة نسيجها سلوكياتنا اليومية البسيطة، وقراراتنا اللحظية في التعامل مع من حولنا. ولعل "فن التغافل" هو حجر الزاوية في بناء هذا الصرح الشامخ. التغافل ليس عجزاً، ولا هو بلاهة، بل هو كرم نفس، ورجاحة عقل، وإدراك عميق بأن التدقيق في كل شاردة وواردة يفسد الود، وينهك القوى. لقد قيل قديماً: "التغافل ثلثا العقل "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل". فكيف نترجم هذا الخلق في تفاصيل حياتنا؟

​البداية تكون من أبسط التصرفات وأكثرها تكراراً: زيارة الأقارب والأصدقاء. حين تدش بيت أحد، عوّد نفسك أن تكون زائراً كريماً، وأشبه بالأصم والأبكم عن عيوب الدار ونواقصها! بارك للرجل في بيته، وادع له بالخير والبركة، واجلس بقدر الحاجة، ثم اخرج بكرامتك، حاملاً معك ذكريات المودة، تاركاً خلفك فضولاً مريضاً لا طائل منه. لماذا تشغل مخك بأسئلة مالها أي داعٍ: "وش لون الصبغ الجديد؟" "وليش السيراميك كذا؟" "ووش كانت الضيافة؟" "وليش ما حطوا الفاكهة الفلانية؟". اتق الله في نفسك وفي صاحب البيت؛ فترى البيوت أسرار، والظروف تختلف من شخص لآخر، والكرم مراتب. التدقيق في هذه الروتينيات التافهة لا يفعل شيئاً سوى أنه يغثك، ويثقل كاهل مضيفك، ويملأ قلبك بمقارنات بائسة لا تورث إلا النكد.

​التحرر من قيود المراقبة وحسد المقارنات

​هذا النكد يزداد ويتفاقم حين ننقل عدسة مراقبتنا من البيوت إلى الممتلكات والمقتنيات. إنها بلا شك فتنة عظيمة في عصرنا هذا، عصر "السوشيال ميديا" التي جعلت حياة الجميع كتاباً مفتوحاً. حين ترى واحداً من أصحابك، أو جيرانك، أو معارفك قد مَنَّ الله عليه بسيارة جديدة فارهة، أو اقتنى أحدث إصدار من جوال يلمع في يده، قاوم تلك الرغبة الجامحة في داخلك لإطلاق أسئلة التحقيق: "من وين جاب الفلوس؟" "ليه شاري هذي بالذات؟" "وتوك مغير جوالك قبل كم شهر؟" "ما كان الأولى يسوي كذا وكذا؟". هذه الأسئلة هي بوابة الجحيم النفسي؛ إنها تقودك مباشرة إلى باب الحسد والمقارنات المذمومة، وتجعلك تعيش في قلق دائم وحقد مرير على نعم الله لدى الآخرين.

​السالفة أبسط من كل هذا التعقيد: يا تبارك له من كل قلبك، وتتمنى له الخير والبركة في هذه النعمة، وتسأل الله أن يعطيك من فضله، وهذا هو سلوك أصحاب القلوب السليمة. أو، إذا كنت تطمح للمزيد، فلتأخذ الموضوع من زاوية التحدي الإيجابي مع نفسك؛ قل بصوت واثق: "ما شاء الله، الله يباركله، وأنا مو ناقصني شي، عندي العقل والصحة والقدرة، أستاهل الأفضل وأقدر أجتهد وأعمل بجد حتى أجيب مثلها، بل وأحسن منها بإذن الله!". فكر في تطوير مهاراتك، في البحث عن فرص جديدة، في تحسين دخلك. تحويل الطاقة من "مراقبة الناس والانشغال بأحوالهم" إلى "تطوير ذاتك والعمل على مشروعك الخاص" هو السر العظيم الذي يفتح لك أبواب النجاح المادي والمعنوي، ويجعلك تنجح وأنت مرتاح البال، صافي الذهن، لا تنظر إلى ما في أيدي الآخرين.

​احترام الخيارات الشخصية وإحسان الظن

​ولا يتوقف التغافل عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل خيارات الناس اليومية البسيطة التي لا تضرك في شيء. اترك الخلق للخالق، ولا تدقق في أدق التفاصيل التي تخص حياتهم الشخصية. لماذا يأكل هذا الشخص مشوياً دائماً؟ هل يتبع نظاماً غذائياً؟ هل يعاني من مشكلة صحية؟ هذا شأنه وحده. لماذا يفضل صاحبك أن يمسك الخط بسيارته ويسافر لساعات طوال بدلاً من ركوب الطائرة أو القطار؟ هل يحب القيادة؟ هل لديه رهاب من الطيران؟ هل يريد التوقف في أماكن معينة؟ هذه خياراته وحريته. لماذا هذا الرجل جالس في زاوية يطالع بجواله لساعات؟ هل ينجز عملاً مهماً؟ هل يتواصل مع أهله المغتربين؟ هل يبحث عن معلومة؟ أم هل يروح عن نفسه فحسب؟ كل هذه تفاصيل صغيرة تافهة، الانشغال بها وإطلاق الأحكام حولها يحرق طاقتك الذهنية، ويهدر وقتك الثمين، ويشتت تفكيرك على الفاضي بدون أي فائدة ترجى لك أو لغيرك. ترك الناس لراحتهم، واحترام خياراتهم الشخصية في الملبس، والمأكل، والمشرب، وطريقة العيش، يريحك أنت قبلهم، ويمنحك مساحة واسعة للتفكير فيما ينفعك.

​قمة الإنسانية: التعاطف في مواطن الضعف

​وأخيراً، وأهم موضع يحتاج منك أقصى درجات التعاطف والتغافل وإحسان الظن هو في أماكن التعب والانكسار، وتحديداً في المستشفيات والمراكز الصحية، لا قدر الله لنا ولكم مكروهاً. حين تكون في انتظار دورك، أو ترافق مريضاً، وتشوف أحداً طالع داخل من الحمام بكثرة، أو يراجع الاستقبال بضيق واستعجال، أو يبدو عليه الإعياء الشديد والهم، لا تقعد تنتقد بكلمات قاسية، ولا تتأفف وتتذمر وتقول: "أشغلنا ذا بتهوره وحركته!" أو "لوع كبدنا بكثرة الدخول والخروج!". اتق الله وتذكر أنك في دار ابتلاء! هؤلاء ناس موجوعة، وقلوب مكلومة، وأجساد منهكة، ونفوس مضغوطة بقلق المرض وخوف المجهول. إنهم ينتظرون دورهم بلهفة وصبر نافد عشان يدخلون على الدكتور، وينالون التشخيص والدواء، ومحد عالم بحقيقة ظروفهم، وآلامهم الخفية، ودموعهم الحبيسة إلا رب العالمين. إحسان الظن في هذه المواقف، وابتغاء العذر لهم، والسكوت عن انتقادهم، بل والدعاء لهم بظهر الغيب بالشفاء والعافية، هو الذي يملأ قلبك رحمة وإنسانية، ويجعلك متصالحاً مع نفسك، ومع الحياة بتقلباتها، ومحققاً لأعلى درجات العبودية لله في الإحسان لجميع خلقه.

​خاتمة: راحة البال قرار

​وفي الختام، أيها الأحبة، دعونا ندرك أن راحة البال ليست معجزة تهبط من السماء، ولا شيئاً معقداً يستحيل نيله، بل هي في المقام الأول "قرار". قرار يومي، ولحظي، بأن تتغافل عن الصغائر والهفوات، وتركز كل طاقتك وجهدك وفكرك على حالك وتطوير نفسك والارتقاء بروحك، وتترك الناس لربها، فهو سبحانه أعلم بهم وبنياتهم. بهذه البساطة، وبهذا العمق في التعامل مع الحياة، تعيش برأس مريح، وقلب نظيف، وروح تسمو فوق تفاهات الدنيا. سدد الله خطانا جميعاً، ورزقنا راحة البال وصفاء الحال، وجعلنا من عباده الصالحين المحسنين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جبر الخواطر

 بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ​السعي المأجور والكلمة الشافية: كيف نكون سكنًا لقلوب الم...