الأربعاء، 26 أغسطس 2026

حماية الطاقة النفسية

 بسم الله الرحمن الرحيم

 والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 أهلاً وسهلاً بكم ويا مرحباً، وحياكم الله جميعاً في مساحتكم الخاصة التي تتسع دائماً لأفكاركم ونقاشاتكم الجميلة، ونسعد فيها بخوض أمتع الأحاديث التي تلامس واقعنا وحياتنا اليومية بكل عفوية وبساطة وصدق









​في هذه الدنيا، وتحديداً خلال رحلتنا اليومية المستمرة في التعامل مع مختلف أطياف الناس، نمر بأصناف وأشكال متعددة ومختلفة من البشر. بعضهم القرب منه غنيمة كبيرة ومكسب حقيقي، وبعضهم مع الأسف الشديد التعامل معه يحتاج منا إلى قدر كبير من الذكاء والصبر والحكمة، وإلا سينتهي بنا المطاف في حالة متقدمة من الإرهاق النفسي والفكري. ومن بين هذه الأصناف المتنوعة، هناك نوعية معينة تظهر لك في الطريق لا تدري حقاً ماذا تريد بالضبط من تصرفاتها! تجده يتعامل دائماً بمنطق غريب؛ أنه هو الوحيد الصحيح في هذا العالم الأسيح، وأن رأيه هو الصواب المطلق الذي لا يقبل النقاش، وأنت دائماً على خطأ وموقفك ضعيف. يتصرف بكل كبر وكأنه هو العالم المثقف الخبير في كل مجالات الحياة، بينما يراك أنت لا تفهم شيئاً إطلاقاً! الغريب في الأمر أنك قد تسمعه يحلل موضوعاً معيناً أو يقول كلاماً واضحاً وأنت تعلم يقيناً في داخلك أنه كلام غير صحيح ومجافٍ للحقيقة والواقع. ولكن، أتدري ماذا يحدث لو فكرت مجرد تفكير بسيط أن تصحح له معلومة أو تعدل خطأه؟ أبداً! استعد حينها فوراً لاستقبال موجة عارمة من الهجوم والنقد والكبر: "أنت لا تفهم"، "أنا أعرف منك"، "أنا لي سنوات طويلة في هذا المجال"!

​في مثل هذا الموقف الحرِج، الحل الذكي والأسلم لنفسيتك وصحتك هو أن تسايره تماماً وألا تدخلا في مهاترات وجدالات عقيمة لا فائدة منها. لا تقل له حتى "كلامك صحيح" فتزور الحقيقة، ولكن خذ بأسلوب "خذ وخل". هذا الأسلوب ليس فيه أي إهانة لشخصك ولا ينم عن ضعف، بل هو درع حماية لراحة بالك وصدرك؛ لأنك لو حاولت نقاشه أو تعديل مفهومه المنكوس، لن يسكت إطلاقاً، وسوف تتوجع أنت من طريقة كلامه وردوده القاسية والتنقيص منك. السلوك الأمثل هنا هو أن تسلك له وتريح رأسك وتوفر طاقتك، وإذا أردت طريقة أكثر فاعلية وراحة، كن متابعاً له بصمت تام! اتركه يتحدث ويكمل كل ما عنده دون أن تعطيه أي مساحة لجرّك إلى سجال بيزنطي لا مخرج منه ولا فائدة ترجى من ورائه.

​أما النوع الثاني من البشر، فهذا تحديداً يجب عليك أن تبذل قصار جهدك للابتعاد عنه وحماية مسافتك منه بقدر الإمكان، لا كراهية فيه ولا ظلماً له – فحرام أن نظلم أحداً أو نسيء الظن به – ولكن حفاظاً على سلامك الداخلي واستقرارك النفسي. هذا الشخص ليس مجرد إنسان عادي، بل هو محطم طموحات ومحبط قهري؛ كل شيء في الحياة يراه من منظور سلبي أسود بحت! لو اقترحت عليه فكرة بسيطة ولطيفة لتغيير الجو، كأن تقول له بابتسامة: "ما رأيك أن نخرج معاً إلى البحر ونستمتع بهذا الجو الجميل؟"، تجده فوراً يفتح عليك باباً واسعاً من التوقعات السوداوية والتشاؤم: "لا يا رجل، المشوار بعيد جداً"، "الطقس لن يكون جيداً وسيزعجنا"، أو "ربما تتعطل السيارة بنا في منتصف الطريق وتتخرب رحلتنا ونبتلش!"! تجده يفكر في السيناريو السلبي والمشكلة قبل أن يبدأ اليوم أساساً وقبل أن تخطو قدمه خارج البيت.

​وحتى لو حدث أمر بسيط وأنت معه في الطريق، كأن يُثقب إطار السيارة مثلاً وهو أمر وارد جداً، تجده فوراً يبدأ في إظهار حسرته وتذمره الشديد ويقول لك بلوم: "أرأيت؟ ماذا نفعل الآن؟ ألم يكن جلوسنا في البيت أفضل بكثير من هذه الخروجة؟". في تلك اللحظة بالذات، ينتابك شعور قوي وتمنٍّ داخلي بأن تصرخ وتقول له: "أرجوك اسكت خلاص، أنا الخاطئ وأنا الغلطان الذي اقترحت الخروج من الأساس!"، ولكنك لأنك إنسان طيب وتملك قلباً رحيماً، تكتمها في نفسك وتتحمل حتى لا تجرح مشاعره أو تزيد من توتر الموقف. التعامل مع الشخصية السلبية يشفط كل طاقتك الإيجابية ويجعل يومك المشرق يكسوه الرماد دون أدنى سبب يدعو لذلك.

​وفي الختام، يجب أن ندرك جميعاً وبوعي تام أن عقول الناس ومزاياهم تختلف باختلاف بيئاتهم وتجاربهم ونشأتهم، ولن نستطيع أبداً إعادة تشكيل البشر كما نحب أو نتمنى. لكن الشيء الوحيد الذي نملكه تماماً وبإرادتنا الكاملة هو كيفية التعامل معهم وحماية دواخلنا وأرواحنا من التلوث. تذكر دائماً أن يومك ملك لك وحدك، وطاقتك النفسية هي رأس مالك الحقيقي الذي تعبر به صعاب الحياة وأيامها الشاقة. لا تستهلك جهدك وعافيتك في إثبات الحقيقة لمن لا يريد أن يراها، ولا تسمح للمحبطين والسلبيين أن يسرقوا منك شغف الأيام وبساطة اللحظات الجميلة. عش حياتك بذكاء وتغافل، واختر من ترافق بعناية ودقة، وتغافل دائماً عن الأخطاء الصغيرة التي لا تستحق التوقف عندها أو تعكير المزاج بسببها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم حكمة العقل، وسلامة الصدر، وراحة البال الدائمة، وأن يحيطنا دائماً بالطيبين الإيجابيين الذين يرفعون من شأننا ويزيدون أيامنا إشراقاً وأملاً ونوراً. شكراً لكم جميعاً على حسن المتابعة وقراءة المقال، ودمتم دائماً في حفظ الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جبر الخواطر

 بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ​السعي المأجور والكلمة الشافية: كيف نكون سكنًا لقلوب الم...