بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها القارئ الكريم، يا من تشق طريقك في هذه الحياة بصمت وعزيمة، سلام الله عليك ورحمته وبركاته. أهلاً بك في مساحة تعكس واقعاً نعيشه جميعاً، واقعاً ملؤه الكفاح والتعب الذي لا يراه سوى من يكتوي بناره ونسيت المعتاد مرحبا بكم في مساحتكم الخاصة يلا نبدء
خلف السستار: ثمن النجاح الذي لا يرى
في زحام الحياة، ووسط صخب المجتمع، يبرز دائماً صنف من البشر يكتفون بالنظر إلى القمة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إلى الصخر الذي تدربت عليه قدماك لتصل إلى هذه المكانة. إن البعض يجهل تماماً ما عانيته، وما كان عليه ماضيك، وما تخفيه سجناء الليالي الطويلة.
تذكر جيداً تلك الأيام، وقت الدراسة والتحصيل، حين كنت تحرم نفسك من أبسط ملذات الحياة وتضغط على أعصابك حتى تسحق كل شعور بالكسل. كنت تفعل ذلك لأن لديك هدفاً سامياً وواضحاً؛ فربما كنت ترغب في أن تصبح معلماً تبني الأجيال، أو مهندساً تشيد الصروح، أو طبيباً تداوي الجراح. لقد كنت تتعب وتذاكر بجد واجتهاد، لدرجة أنك كنت تقتصر حتى طلعاتك الترفيهية لتقتصر على دقائق معدودة تشم فيها الهواء، ثم تعود سريعاً إلى كتبك وأوراقك وأنت تحدث نفسك قائلاً: "سأضغط على نفسي اليوم لكي أرتاح غداً، وسأتعب الآن لأجني الثمار لاحقاً".
وفعلاً، وبعد سنوات من الضغط النفسي والذهني، وبعد أن سهرت الليالي الطويلة وتجاوزت العقبات، وصلت بفضل الله إلى هدفك المنشود ونلت ما تعبت من أجله.
منطق المتفرجين: حين يتحول التعب إلى "حظ"
لكن، ما إن تبلغ مقصدك وتظهر عليك علامات النجاح، حتى تتفاجأ بردود فعل بعض البشر. يا ترى، ماذا يقولون؟
يقولون ببرود شديد وبدون أدنى إدراك للحقيقة: "يا له من محظوظ! هذا حظه قوي، لابد أن أمه داعية له!".
ولا يقتصر الأمر على الدراسة فحسب، بل يمتد لمن تعب وشقي حتى أسس مشروعه الخاص وأصبح يدر له أرباحاً ودخلاً مستداماً. فبعد أن ضحى براحته ورأس ماله، وجازف في بحر التجارة الممتلئ بالأمواج العاتية، تراه يقف على أرض صلبة. فماذا يقول الناس عنه؟ يكررون نفس الاسطوانة السطحية: "حظه! فلان صارت عنده فلوس وتغير حاله فجأة!".
إنهم لايدرون كم من مرة لم يذق فيها طعم النوم، ولا يعلمون كم من المبالغ خسرها في بداية طريقه حتى تعلم الدرس. لا يشعرون بحجم القلق الذي أكل قلبه وهو يراقب مشروعه يترنح ثم ينهض، ولا يعرفون عدد المرات التي كاد فيها أن يستسلم لولا صلابة إرادته. إنهم لا يرون سوى القمة، متجاهلين تماماً المنحدرات المظلمة التي تسلقتها وحدك.
يا صاحبي: لا تنتظر الإنصاف من أحد
يا صاحبي، اعلم علم اليقين ولا تبنِ آمالاً زائفة: لا تتوقع أن تحصل على الخير أو الإنصاف من ظنون الناس. فالناس لا يقرأون إلا العناوين، ولا يلتفتون إلا لما يظهر لهم على السطح. إنهم يحكمون على القشرة ويتركون اللب.
لهذا السبب، اسعى واجتهد وابذل كل ما بوسعك، ومضِ في طريقك متوكلًا على الله وحده، ولا تلتفت لكلامهم المحبط. دعهم في ظنونهم وفي قوقعة جهلهم بتعبك، فليس عليك أن تبرر لأحد حجم معاناتك. واعلم أن البعض قد أكل الحسد قلوبهم، فلا يطيقون أن يروا ناجحاً، لأن نجاحك بحد ذاته يذكرهم بكسلهم وقعودهم عن السعي
الخاتمة
في الختام، يا من أثقلت عاتقه المسؤوليات، ويا من روت عرق جبينك أرض الطموح، تذكر دائماً أن الثناء الحقيقي والتقدير الأبدي لا يأتي من ألسنة البشر المتغيرة، بل يأتي من رب العباد الذي يعلم ما تخفي الصدور وما تعانيه في خلواتك. دعهم يثرثرون بما شاءوا، فالحظ الحقيقي لا يصنعه إلا العمل الجاد، والصبر الطويل، والثبات عند الشدائد.
ارضَ بما قدمت، وافتخر بكل قطرة تعب نزلت منك وأنت تبني مستقبلك بعزة وكرامة. امضِ قدماً بثبات، واجعل من إنجازك رداً بليغاً على كل ظن سيئ، فالعظماء لا يلتفتون إلى الوراء، وأنت، بتعبك وكفاحك، قد صنعت طريقاً يخصك وحدك، فلا تسمح لأحد بأن يسرق منك فرحة الوصول أو يقلل من حجم جهادك. عش عزيزاً، واعمل بصمت، واجعل النجاح هو ضجيجك الأخير ويا جبل مايهزك ريح
























